صفي الرحمان مباركفوري

223

الرحيق المختوم

بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف ، وإلى الحبشة في الشتاء . ودارت المناقشة حول هذا الموضوع ، فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان : تنكب الطريق على الساحل وخذ طريق العراق - وهي طريق طويلة جدا تخترق نجدا إلى الشام ، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها ، وكانت قريش تجهل هذه الطريق كل الجهل - فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فرات بن حيان - من بني بكر بن وائل - دليلا له ، يكون رائده في هذه الرحلة . وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية ، آخذة الطريق الجديدة ، إلا أن أنباء هذه القافلة وخطة سيرها طارت إلى المدينة . وذلك أن سليط بن النعمان - وكان قد أسلم - اجتمع في مجلس شرب - وذلك قبل تحريم الخمر - مع نعيم بن مسعود الأشجعي - ولم يكن أسلم إذ ذاك - فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير وخطة سيرها ، فأسرع سليط إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يروي له القصة . وجهز رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لوقته حملة قوامها مائة راكب في قيادة زيد بن حارثة الكلبي ، وأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتة - على حين غرة - وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له قردة - بالفتح فالسكون - فاستولى عليها كلها ، ولم يكن من صفوان ومن معه من حرس القافلة إلا الفرار بدون أي مقاومة . وأسر المسلمون دليل القافلة - فرات بن حيان ، وقيل : ورجلين غيره - وحملوا غنيمة كبيرة من الأواني والفضة كانت تحملها القافلة ، قدرت قيمتها بمائة ألف ، قسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ الخمس ، وأسلم فرات بن حيان على يديه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . وكانت مأساة شديدة ونكبة كبيرة أصابت قريشا بعد بدر ، اشتد لها قلق قريش ، وزادتها هما وحزنا . ولم يبق أمامها إلا طريقان ، إما أن تمتنع عن غطرستها وكبريائها ، وتأخذ طريق الموادعة والمصالحة مع المسلمين ، أو تقوم بحرب شاملة تعيد لها مجدها التليد وعزها القديم ، وتقضي على قوات المسلمين ، بحيث لا يبقى لهم سيطرة على هذا ولا ذاك ، وقد اختارت مكة الطريق الثانية ، فازداد إصرارها على المطالبة بالثأر ، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة ، وتصميمها على الغزو في ديارهم ، فكان ذلك وما سبق من أحداث التمهيد القوي لمعركة أحد .

--> ( 1 ) ابن هشام 2 / 50 ، 51 ، فقه السيرة ص 190 ، رحمة للعالمين 2 / 219 .